ملا محمد مهدي النراقي
480
انيس المجتهدين في علم الأصول
وقد اختلف في تفسير الوصف الشبهي حتّى قيل : لا يتحرّر في الشبه عبارة مستمرّة في صناعة الحدود « 1 » . فقيل : ما يوهم المناسبة من حيث التفات الشرع إليه في بعض المحالّ وليس بمناسب « 2 » ، والوصف الطردي ما لا يوهمها أيضا فيشبه الشبهيّ الطرديّ من حيث عدم المناسبة ، ويتميّز عنه بأنّ الطردي وجوده كالعدم ، ويشبه المناسب من حيث التفات الشرع ، ويتميّز عنه بأنّ للمناسب مناسبة عقليّة وإن لم يرد الشرع بها ، كالإسكار للتحريم ، فإنّ كونه مزيلا للعقل وكونه مناسبا للمنع منه يحكم به العقل ولا يحتاج إلى ورود الشرع به . وقد أشرنا إلى هذا التفسير ومثاله « 3 » . وقيل : ما ناسب الحكم بالتبع كالطهارة لاشتراط النيّة ، والطرد ما لم يناسبه أصلا كبناء القنطرة « 4 » ، وبعبارة أخرى كان مستلزما لمناسب ، كالرائحة الفائحة المستلزمة للإسكار الذي هو المناسب بذاته للتحريم . ولا يخفى أنّ القياس حينئذ نوع من قياس الدلالة ، وهو الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم لكن يستلزم المناسب . والطردي حينئذ ما ليس بمناسب ، ولا بمستلزم له . وقيل : ما لا يناسب الحكم لكن عرف بالنصّ تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم ، فمن حيث إنّه لا يناسب يظنّ عدم اعتباره في ذلك الحكم ، ومن حيث علم تأثير جنسه القريب - مع أنّ سائر الأوصاف ليس كذلك - يظنّ استناد الحكم إليه « 5 » . وقيل : ما لا يثبت مناسبته إلّا بدليل منفصل « 6 » . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشبه لا يدلّ على العلّيّة ، وليس بحجّة على كلّ واحد من التفسيرات . أمّا على الأوّل والثاني ، فلأنّ المناسبة نفسها لا تفيد العلّيّة ، وليست بحجّة فضلا عمّا يوهمها أو يستلزمها .
--> ( 1 ) . لعلّ القائل هو إمام الحرمين الجويني كما يستظهر من إرشاد الفحول 2 : 137 . ( 2 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 327 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 106 . ( 3 ) . تقدّم في ص 444 . ( 4 إلى 6 ) . حكاها الفخر الرازي في المحصول 5 : 201 - 205 ، والمطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 4 : 107 - 112 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 327 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 106 - 112 .